محمد بن جرير الطبري

218

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

من الجزاء على توبتهم الجزيل من العطاء ، فقال : وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً . فتأويل الآية : إِلَّا الَّذِينَ تابُوا أي راجعوا الحق ، وأبوا إلا الإقرار بوحدانية الله وتصديق رسوله وما جاء به من عند ربه ، من نفاقهم . . وَأَصْلَحُوا يعني وأصلحوا أعمالهم ، فعملوا بما أمرهم الله به وأدوا فرائضه ، وانتهوا عما نهاهم عنه وانزجروا عن معاصيه . وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ يقول : وتمسكوا بعهد الله . وقد دللنا فيما مضى قبل ، على أن الاعتصام : التمسك والتعلق ، فالاعتصام بالله : التمسك بعهده وميثاقه الذي عهد في كتابه إلى خلقه من طاعته وترك معصيته ، . وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ يقول : وأخلصوا طاعتهم وأعمالهم التي يعملونها لله ، فأرادوه بها ، ولم يعملوها رئاء الناس ولا على شك منهم في دينهم وامتراء منهم ، في أن الله محص عليهم ما عملوا ، فيجازي المحسن بإحسانه والمسئ بإساءته ؛ ولكنهم عملوها على يقين منهم في ثواب المحسن على إحسانه وجزاء المسئ على إساءته ، أو يتفضل عليه ربه فيعفو ، متقربين بها إلى الله مريدين بها وجه الله ؛ فذلك معنى إخلاصهم لله دينهم . ثم قال جل ثناؤه : فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ يقول : فهؤلاء الذين وصف صفتهم من المنافقين بعد توبتهم وإصلاحهم واعتصامهم بالله وإخلاصهم له مع المؤمنين في الجنة ، لا مع المنافقين الذي ماتوا على نفاقهم ، الذين أوعدهم الدرك الأسفل من النار . ثم قال : وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً يقول : وسوف يعطي الله هؤلاء الذين هذه صفتهم على توبتهم وإصلاحهم واعتصامهم بالله وإخلاصهم دينهم له على إيمانهم ، ثوابا عظيما ، وذلك درجات في الجنة ، كما أعطى الذين ماتوا على النفاق منازل في النار ، وهي السفلى منها ؛ لأن الله جل ثناؤه وعد عباده المؤمنين أن يؤتيهم على إيمانهم ذلك ، كما أوعد المنافقين على نفاقهم ما ذكر في كتابه . وهذا القول ، هو معنى قول حذيفة بن اليمان الذي : حدثنا به ابن حميد وابن وكيع ، قالا : ثنا جرير ، عن مغيرة ، عن إبراهيم ، قال حذيفة : ليدخلن الجنة قوم كانوا منافقين فقال عبد الله : وما علمك بذلك ؟ فغضب حذيفة ، ثم قام فتنحى . فلما تفرقوا مر به علقمة فدعاه ، فقال : أما إن صاحبك يعلم الذي قلت ثم قرأ إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً . القول في تأويل قوله تعالى : ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً يعني جل ثناؤه بقوله : ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ ما يصنع الله أيها المنافقون بعذابكم ، إن أنتم تبتم إلى الله ورجعتم إلى الحق الواجب لله عليكم ، فشكرتموه على ما أنعم عليكم من نعمه في أنفسكم وأهاليكم وأولادكم ، بالإنابة إلى توحيده والاعتصام به ، وإخلاصكم أعمالكم لوجهه ، وترك رياء الناس بها ، وآمنتم برسوله محمد صلى الله عليه وسلم فصدقتموه وأقررتم بما جاءكم به من عنده فعملتم به . يقول : لا حاجة بالله أن يجعلكم في الدرك الأسفل من النار إن أنتم أنبتم إلى طاعته وراجعتم العمل بما أمركم به وترك ما نهاكم عنه ؛ لأنه لا يجتلب بعذابكم إلى نفسه نفعا ولا يدفع عنها ضرا ، وإنما عقوبته من عاقب من خلقه جزاء منه له على جراءته عليه وعلى خلافه أمره ونهيه وكفرانه شكر نعمه عليه . فإن أنتم شكرتم له على نعمه وأطعتموه في أمره ونهيه ، فلا حاجة به إلى تعذيبكم ، بل يشكر لكم ما يكون منكم من طاعة له وشكر ، بمجازاتكم على ذلك بما تقصر عنه أمانيكم فلم تبلغه آمالكم . وَكانَ اللَّهُ شاكِراً لكم ولعباده على طاعتهم إياه بإجزاله لهم الثواب عليها ، وإعظامه لهم العوض منها . عَلِيماً بما تعملون أيها المنافقون وغيركم من خير وشر وصالح وطالح ، محص ذلك كله عليكم محيط بجميعه ، حتى يجازيكم جزاءكم يوم القيامة ، المحسن بإحسانه والمسئ